الثقافة

جمهور مهرجان “كان” يكتشف الجزائر بعيون كريم اينوز

على مدار نصف قرن من الزمن، لم يغيب العلم الجزائري عن مهرجان “كان” السينمائي، فقد ظل حاضرا بشكل أو بآخر، وهذه المرة جاء مرفوقا بعرض استثنائي، لمخرج أخذه الحنين للبحث في أرشيف الذاكرة، محاولا قراءة تفاصيل الماضي، وحكايات لم يعيشها أبدا، بل سمع عنها الكثير.

هكذا حمل المخرج البرازيلي من أصل جزائري كريم اينوز،العلم الجزائري والراية الأمازيغية، داخل قاعة سينما “لاسوستيام” بعدما قدم فيلمه الجديد لجمهور خاص، من صحافيين ونقاد وصناع السينما العالمية ضمن فعاليات الدورة الرابعة والسبعين لمهرجان “كان” من 6 إلى 17 جويلية.

يحمل المخرج الحائز على جائزة مسابقة “نظرة ما” لدورة 2019، حالة من الذكريات والحنين إلى أرض الأجداد، مفككا ألبوم صور والده الجزائري الذي قادته الظروف ليغادر مسقط رأسه في منطقة القبائل ويشد الرحال نحو بلا العم سام طلبا للعلم.

يبدو اينوز كمخرج بخلفية صحافية، مفتونًا بالشخصيات البسيطة،التي يقارنها بشخصيات من الماضي بأسلوب خاص في الإخراج، وقد قدم في كل مرة صورا بانورامية مميزة عن الجزائر وطبيعتها.

لقد حجز كريم في فليمه الجديد، مكانا لحكاية الأرض والأب والعائلة الكبيرة، ليتمكن في دخول البرنامج الرسمي للأفلام المعروضة خارج المنافسة.

تمام كما هي أجواء العرض والكلمات التي ألقاها كريم في القاعة معبرا عن حلمه بأن يرى يوما ما وطنه الأم شامخا، فقد مليء الفيلم بمشاهد الحنين والشاعرية، لكنه خرج في النهاية بفيلم حزين بعض الشئ، في ملامحه وصورته الرمادية.

ورغم الواقعية التي ركز عليها إلا أنه منح الجمهور مساحة من التمتع بروح الفكاهة التي استلمهمها من لحظات عفوية التقاطها بالكاميرا من يوميات الجزائريين، وعباراتهم البسيطة.

فبعد نصف قرن عاد اينوز بكميرته للنبش في الذكريات، بحثا عن أبسط أثر قد يربطه بالمساحات الخضراء والجبال وقمم منطقة القبائل التي لم يولد فيها، وعاش في بلد بعيد جداً ومعه سؤال واحد :”ماذا لو كبرت هناك، في تلك الأرض التي يوجد فيها قبر جدي وعمي وعائلتي الكبيرة التي لم تعد تعرفني ولا أعرفها اليوم”.

لعل من أصعب الأفلام على أي مخرج، هو حكاية ماضي عائلته، فهذا النوع من الأفلام الذي يحاول ملامسة ذكريات الأجداد، هو الطريق السينمائي الوعر، وقد سلكه كريم عدة مرات ما جعله في السنوات الأخيرة إسما فاعلا في السينما العالمية قادر على سرد الحكايات المدفونة في أرض الجزائر.

يقيم المخرج البرازيلي كريم اينوز اليوم في برلين، وقد تحمس لإنجاز هذا العمل بعدما نقل جانب من حكاية الحراك الشعبي عام 2019 بعنوان “نرجس”، وهو العمل الذي حاز عليه تقدير عدة مهرجانات عالمية منها مهرجان برلين.

الجزائر بالنسبة لاينوز هي بلد الأسئلة، وتفاصيل شخصيته التي تشكلت بعيدا عن المدينة التي عاش فيها حياته، مدينة فورتاليزا البرازيلية الشمالية الشرقية، حيث ربته والدته وجدته، وعلى الرغم من أنه لم يلتق بوالده المنفصل عنه حتى بلغ 18 عامًا، إلا أنه ظل مفتونًا بالجزائر من خلال ألبوم صور والده والحكايات العبارة على طاولة العشاء.

هكذا قرر اينوز بعد عقود أن يحمل كميرته لزيارة وطن والده في رحلة عاطفية لم تسفر فقط بحثا عن الأحدث وإنما للابحار في جبال منطقة القبائل، ليصنع واحد من أهم أفلام الذاكرة منذ أن أنجز أحد أوائل أعماله، وهو فيلم “طبقات” القصير لعام 1993، عن جدته وأخواتها الأربع، “والذي كان بذرة هذا الفيلم.

ما يميز الفيلم أنه قدم صورا نادرة من الأرشيف عن الجزائر وقد جعل من الثورة فكرة رومانسية، وحرب الأجداد ضد فرنسا والتي كان جده جزء حارب منها، معادلة لفهم جانب من واقع الجزائر اليوم.

انطلقت كاميرا اينوز في رحلتها إلى الجزائر عام 2019، وقد سافر عبر البحر الأبيض المتوسط ​​من مرسيليا، ووصل في التاريخ الذي انطلق فيه الحراك ضد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهي أمور خدمت الفيلم وسهلت على المخرج التقرب أكثر من ملامح الذاكرة.

يؤكد الفيلم أن المواطن الجزائري يحمل شعورا خاصا واعتزاز فريدا من نوعه بوطنه، فرغم كل شيء فالهوية الوطنية التي تشكلت أثناء الإستعمار، هي التي تدفع بتلك السيدة القبائلية بأن تقول :”قريتي أفصل من باريس” وهي على مشارف العقد السابع من العمر وتعيس في كوخ مهترئ بأعلى منطقة القبائل.

لم يركز الفيلم على محطة واحدة، وإنما مضى لتفكيك مشاعر ثلاثة أجيال جزائرية منذ الاستقلال، وكان همه الأكبر ما يحلم به أطفال الجزائر اليوم.

م.خ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق